ابراهيم بن عمر البقاعي
480
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
ولما بين عنادهم وأن عداوتهم لأهل هذا الدين التي حملتهم على هذا الأمر العظيم ليس بعدها عداوة ، نهى من اتسم بالإيمان عن موالاتهم ، لأنه لا يفعلها بعد هذا البيان مؤمن ولا عاقل ، فقال : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أي أقروا بالإيمان ؛ ولما كان الإنسان لا يوالي غير قومه إلا باجتهاد في مقدمات يعملها وأشياء يتحبب بها إلى أولئك الذين يريد أن يواليهم ، أشار إلى ذلك بصيغة الافتعال فقال : لا تَتَّخِذُوا أي إن ذلك لو كان يتأتى بسهولة لما كان ينبغي لكم أن تفعلوه ، فكيف وهو لا يكون إلا ببذل الجهد ! الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ أي أقرباء تفعلون معهم ما يفعل القريب مع قريبه ، وترجون منهم مثل ذلك ، وهم أكثر الناس استخفافا بكم وازدراء لكم ؛ ثم علل ذلك بقوله : بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ أي كل فريق منهم يوالي بعضهم بعضا ، وهم جميعا متفقون - بجامع الكفر وإن اختلفوا في الدين - على عداوتكم يا أهل هذا الدين الحنيفي ! وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ أي يعالج فطرته الأولى حتى يعاملهم معاملة الأقرباء فَإِنَّهُ مِنْهُمْ لأن اللّه غني عن العالمين ، فمن والى أعداءه تبرأ منه ووكله إليهم ؛ ثم علل ذلك تزهيدا فيهم وترهيبا لمتوليهم بقوله : إِنَّ اللَّهَ أي الذي له الغنى المطلق والحكمة البالغة ، وكان الأصل : لا يهديهم ، أو لا يهديه ، ولكنه أظهر تعميما وتعليقا للحكم بالوصف فقال : لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * أي الذين يضعون الأشياء في غير مواضعها ، فهم يمشون في الظلام ، فلذلك اختاروا غير دين اللّه ووالوا من لا تصلح موالاته ، ومن لم يرد اللّه هدايته لم يقدر أحد أن يهديه ، ونفي الهداية عنهم دليل على أن العبرة في الإيمان القلب ، إذ معناه أن هذا الذي يظهر من الإقرار ممن يواليهم ليس بشيء ، لأن الموالي لهم ظالم بموالاته لهم ، والظالم لا يهديه اللّه ، فالموالي لهم لا يهديه اللّه فهو كافر ، وهكذا كل من كان يقول أو يفعل ما يدل دلالة ظاهرة على كفره وإن كان يصرح بالإيمان - واللّه الهادي ، وهذا تغليظ من اللّه وتشديد في وجوب مجانبة المخالف في الدين واعتزاله - كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا تراءى ناراهما » « 1 » ومنه قول عمر لأبي موسى رضي اللّه عنهما حين اتخذ كاتبا نصرانيا : لا تكرموهم إذ أهانهم اللّه ، ولا تأمنوهم إذ خونهم اللّه ، ولا تدنوهم إذ أقصاهم اللّه ، وروي أن أبا موسى رضي اللّه عنه قال : لا قوام
--> ( 1 ) هو بعض حديث أخرجه أبو داود 2645 والنسائي 8 / 36 عن قيس عن جرير : « إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعث سرية إلى قوم من خثعم فاستعصوا بالسجود فقتلوا فقضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بنصف العقل ، وقال : إني بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين . ثم قال : « لا تراءى ناراهما » . قال أبو داود : رواه هيثم ومعمر وخالد الواسطي وجماعة فلم يذكروا جريرا ا ه يعني مرسل . ومعنى : « لا تراءى ناراهما » أي يجب علم المسلم أن يباعد منزله عن منزل المشرك بحيث لو أشعل نارا لا تظهر لنا وفيه حث على مجاورة المسلمين والهجرة من بلاد المشركين إلا لضرورة .